عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
504
اللباب في علوم الكتاب
تِجارَةً حاضِرَةً » لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التّجارة ما يتجر فيه من الأبدال ، ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يدا بيد ، ومعنى نفي الجناح ، أي : لا مضرّة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد نفي الإثم ، لأنّه لو أراد الإثم ؛ لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحقّ بتركها ، وقد ثبت خلافه ، وبيان أنّه لا مضرّة عليهم في تركها ؛ لأنّ التّجارة الحاضرة تقع كثيرا ، فلو تكلّفوا فيها الكتابة ، والإشهاد ؛ يشقّ عليهم ، وأيضا فإنّ كلّ واحد من المتعاملين إذا أخذ حقّه من صاحبه في المجلس ؛ لم يكن هناك خوف التّجاحد ، فلا حاجة إلى الكتابة ، والإشهاد . قوله : « وَأَشْهِدُوا » : هذا أمر إرشاد إلى طريق الاحتياط . قال أكثر المفسّرين : إنّ الكتابة ، وإن رفعت عنهم في التّجارة الحاضرة ؛ فلا يرفع الإشهاد ؛ لأن الإشهاد بلا كتابة تخف مؤنته . قوله : « إِذا تَبايَعْتُمْ » يجوز أن تكون شرطية ، وجوابها : إمّا متقدّم عند قوم ، وإمّا محذوف لدلالة ما تقدّم عليه تقديره : إذا تبايعتم فأشهدوا ، ويجوز أن تكون ظرفا محضا ، أي : افعلوا الشّهادة وقت التبايع . قوله : « وَلا يُضَارَّ » العامّة على فتح الرّاء جزما ، ولا ناهية ، وفتح الفعل لما تقدّم في قراءة حمزة : « إن تضلّ » . ثمّ هذا الفعل يحتمل أن يكون مبنيّا للفاعل ، والأصل : « يضارر » بكسر الرّاء الأولى ، فيكون « كاتب » ، و « شهيد » فاعلين نهيا عن مضارّة المكتوب له ، والمشهود له ، نهي الكاتب عن زيادة حرف يبطل به حقّا أو نقصانه ، ونهي الشّاهد عن كتم الشّهادة ، واختاره الزجاج « 1 » ، ورجّحه بأنّ اللّه تعالى قال : « فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ » ، ولا شكّ أنّ هذا من الكاتب والشّاهد فسق ، ولا يحسن أن يكون إبرام الكاتب والشهيد والإلحاح عليهما فسقا . لأنّ اسم الفسق بمن يحرف الكتابة ، وبمن يمتنع عن الشّهادة ؛ حتّى يبطل الحقّ بالكليّة أولى منه بمن أضرّ الكاتب والشّهيد ؛ ولأنه تبارك وتعالى قال فيمن يمتنع عن أداء الشّهادة « وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [ البقرة : 283 ] والإثم والفسق متقاربان وهذا في التّفسير منقول عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - ومجاهد وطاوس ، والحسن وقتادة . ونقل الدّاني عن ابن عمر ، وابن عبّاس ، ومجاهد ، وابن أبي إسحاق أنهم قرءوا الرّاء « 2 » الأولى بالكسر ، حين فكّوا . ويحتمل أن يكون الفعل فيها مبنيّا للمفعول ، والمعنى : أنّ أحدا لا يضارر الكاتب ولا الشّاهد ، ورجّح هذا بأنه لو كان النّهي متوجّها للكاتب والشّهيد لقال : « وإن تفعلا فإنه فسوقّ بكما » ، ولأنّ السياق من أول الآيات إنما هو للمكتوب له والمشهود له بأن يودّهما
--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 1 / 367 . ( 2 ) وذكر هذه القراءة ابن عطية 1 / 385 عن عكرمة . وانظر : البحر المحيط 2 / 370 ، والدر المصون 1 / 684 .